الشوكاني
128
فتح القدير
سورة الأنعام الآية ( 72 - 73 ) قوله ( وكذب به قومك ) الضمير راجع إلى القرآن أو إلى العذاب . وقومه المكذبون : هم قريش . وقيل كل معاند ، وجملة ( وهو الحق ) في محل نصب على الحال : أي كذبوا بالقرآن أو العذاب ، والحال أنه حق . وقرأ ابن أبي عبلة ( وكذبت ) بالتاء ( قل لست عليكم بوكيل ) أي لست بحفيظ على أعمالكم حتى أجازيكم عليها . قيل وهذه الآية منسوخة بآية القتال ، وقيل ليست بمنسوخة إذ لم يكن إيمانهم في وسعه . قوله ( لكل نبأ مستقر ) أي لكل شئ وقت يقع فيه . والنبأ : الشئ الذي ينبأ عنه ، وقيل المعنى : لكل عمل جزاء . قال الزجاج : يجوز أن يكون وعيدا لهم بما ينزل بهم في الدنيا . وقال الحسن : هذا وعيد من الله للكفار ، لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث ( وسوف تعلمون ) ذلك بحصوله ونزوله بهم كما علموا يوم بدر بحصول ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتوعدهم به . قوله ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لكل من يصلح له . والخوض : أصله في الماء ثم استعمل في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيها بغمرات الماء ، فاستعير من المحسوس للمعقول ، وقيل هو مأخوذ من الخلط . وكل شئ خضته فقد خلطته ، ومنه خاض الماء بالعسل : خلطه . والمعنى : إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والرد والاستهزاء فدعهم ولا تقعد معهم لسماع مثل هذا المنكر العظيم حتى يخوضوا في حديث مغاير له ، أمره الله سبحانه بالإعراض عن أهل المجالس التي يستهان فيها بآيات الله إلى غاية هي الخوض في غير ذلك . وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله ، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة . فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم . وذلك يسير عليه غير عسير . وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة . فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر . وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر ، وقمنا في نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه وبلغت إليه طاقتنا ، ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصى الله بفعل شئ من المحرمات ، ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة ، فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان ، فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه فيعمل بذلك مدة عمره ويلقى الله به معتقدا أنه من الحق وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر قوله ( وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ) " إما " هذه هي الشرطية وتلزمها غالبا نون التأكيد ولا تلزمها نادرا ومنه قول الشاعر : إما يصبك عدو في منازله * يوما فقل كيف يستعلى وينتصر وقرأ ابن عباس " ينسيك " بتشديد السين ، ومثله قول الشاعر * وقد ينسيك بعض الحاجة الكسل * والمعنى : إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فلا تقعد بعد الذكرى إذا ذكرت ( مع القوم الظالمين ) أي الذين